مجمع البحوث الاسلامية

318

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

المستثنى منهم ، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه . ( 2 : 273 ) ابن عطيّة : ولكن نوحا عليه السّلام حملته شفقة النّبوّة وسجيّة البشر على التّعرّض لنفحات الرّحمة والتّذكير ، وعلى هذا القدر وقع عتابه ، ولذلك جاء بتلطّف وترفيع في قوله : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ، وقد قال اللّه لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم : فَلا تَكُونَنَّ البقرة : 147 ، الأنعام : 35 ، 114 ، يونس : 94 ، وذلك هنا بحسب الأمر الّذي عوتب فيه وعظمته ، فإنّه لضيق صدره بتكاليف النّبوّة ، وإلّا فمتقرّر أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل البشر وأولاهم بلين المخاطبة ، ولكن هذا بحسب الأمرين لا بحسب النّبيّين . وقال قوم : إنّما وقّر نوح لسنّه . وقال قوم : إنّما حمل اللّفظ على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم كما يحمل الإنسان على المختصّ به الحبيب إليه . وهذا كلّه ضعيف . [ إلى أن قال بعد ذكر قول ابن زيد : ] وهذا تأويل بشع ، وليس في الألفاظ ما يقتضي أنّ نوحا اعتقد هذا وعياذا باللّه ، وغاية ما وقع لنوح عليه السّلام أن رأى ترك ابنه معارضا للوعد فذكر به ، ودعا بحسب الشّفقة ليكشف له الوجه الّذي استوجب به ابنه التّرك في الغرقى . ( 3 : 177 ) ابن الجوزيّ : فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن تكون من الجاهلين في سؤالك من ليس من حزبك . [ ثمّ قال نحو الماورديّ ] ( 4 : 115 ) الفخر الرّازيّ : احتجّ بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء من وجوه [ وذكر الوجوه المتعلّقة بالقسم الأوّل من الآية وأضاف : ] الوجه الرّابع : أنّ قوله تعالى : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يدلّ على أنّ ذلك السّؤال كان محض الجهل ، وهذا يدلّ على غاية التّقريع ونهاية الزّجر ، وأيضا جعل الجهل كناية عن الذّنب ، مشهور في القرآن ، قال تعالى : يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ النّساء : 17 ، وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ البقرة : 67 . [ إلى أن قال : ] واعلم أنّه لمّا دلّت الدّلائل الكثيرة على وجوب تنزيه اللّه تعالى الأنبياء عليهم السّلام من المعاصي ، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل والأكمل ، وحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ، فلهذا السّبب حصل هذا العتاب والأمر بالاستغفار ، ولا يدلّ على سابقة الذّنب ، كما قال : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . . . النّصر : 1 - 3 . ومعلوم أنّ مجيء نصر اللّه والفتح ودخول النّاس في دين اللّه أفواجا ليست بذنب يوجب الاستغفار ، وقال تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ محمّد : 19 ، وليس جميعهم مذنبين ، فدلّ ذلك على أنّ « الاستغفار » قد يكون بسبب ترك الأفضل . ( 18 : 3 ) البيضاويّ : وإنّما سمّاه جهلا وزجر عنه بقوله : إِنِّي أَعِظُكَ . . . لأنّ استثناء من سبق عليه القول من أهله ، قد دلّه على الحال وأغناه عن السّؤال ، لكن أشغله حبّ الولد عنه حتّى اشتبه عليه الأمر . ( 1 : 470 ) نحوه البروسويّ . ( 4 : 139 ) الطّباطبائيّ : فإن قلت : إنّه تعالى قال : أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي ممّن استقرّت فيه صفة الجهل ،